أحمد بن محمود السيواسي

36

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

إلى الإسلام ( وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً ) أي نور المعرفة بسبب الإسلام ( يَمْشِي ) أي يعمل ( بِهِ فِي النَّاسِ ) أي بينهم متبصرا بنوره فيعرف الحق من الباطل والحلال من الحرام ( كَمَنْ ) أي كالذي ( مَثَلُهُ ) أي صفته وحاله ( فِي الظُّلُماتِ ) يركب بعضها بعضا من الشرك والعصيان والخذلان ( لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ) أي لا يجد من اللّه مخرجا من الظلمات إلى النور ، يعني ليسا سواء ، والجملة في محل النصب على الحال من الضمير المرفوع في الظلمات ( كَذلِكَ ) أي مثل ذلك التزيين ( زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 122 ] يعين زين لهم الشيطان عبادة الأصنام فرضوا بها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 123 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 ) ( وَكَذلِكَ ) أي كما جعلنا فساقا أهل مكة أكابرها ( جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها ) وإنما ذكر الأكابر دون الصغائر ، لأن الأكابر هم الصادون عن دين اللّه ( لِيَمْكُرُوا فِيها ) بالتكذيب والصد عن الإيمان ونسبة النبي عليه السّلام إلى السحر والجنون ( وَما يَمْكُرُونَ ) أي وما يصنعون المكر ( إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ ) لأن وبال مكرهم راجع عليهم ( وَما يَشْعُرُونَ ) [ 123 ] أن وباله عليهم ، وهذا تسلية للنبي « 1 » عليه السّلام ، وتقديم موعد بنصرته عليهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 124 ] وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) قوله « 2 » ( وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ ) نزل حين قال الوليد بن المغيرة وأصحابه : لو أراد اللّه أن ينزل الوحي لأنزل علينا « 3 » ، وقيل قال أبو جهل : « زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى صرنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يوحي إليه ، واللّه لا نرضى به ولا نتبعه بالإيمان به حتى يأتينا وحي كما يأتيه » « 4 » ، فقال تعالى : فإذا جاءتهم ، أي كفار مكة دلالة على صدق محمد عليه السّلام كانشقاق القمر ، قالوا حسدا : لن نؤمن بك ولا بالآية ( حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ ) أي حتى نعطي مثل ما أعطي محمد مما أعطي ( رُسُلُ اللَّهِ ) من الوحي ، فقال تعالى إنكارا لصلاحيتهم الرسالة ( اللَّهُ أَعْلَمُ ) من غيره يعلم ( حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) مفردا وجمعا « 5 » ، أي اللّه يعلم مكان وضع رسالاته من الناس « 6 » ، يعني يعلم من يصلح للنبوة ومن لا يصلح ، فخص بها محمدا « 7 » من بينهم ، ف « حيث » مفعول به وعامله محذوف وهو يعلم لا « أعلم » ، وليس ظرفا لفساد المعنى ، ثم هددهم لتكذيبهم الرسل وإستهذائهم بقوله ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) من أكابر الكفار ( صَغارٌ ) أي هوان وذل لكبرهم ( عِنْدَ اللَّهِ ) أي من اللّه في الآخرة ( وَعَذابٌ شَدِيدٌ ) في الدنيا بالأسر والقتل ثم بالنار بعد البعث ( بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ) [ 124 ] من تكذيب الرسل واستهذائهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 125 ] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 ) ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ) أي يرشده ويوفقه لدينه ( يَشْرَحْ صَدْرَهُ ) أي يوسع قلبه ويلينه ( لِلْإِسْلامِ ) أي لقبول الإسلام فيدخله فيه نوره وحلاوته وتطمئن إليه نفسه ، فبعد نزول هذه الآية قالوا : يا رسول اللّه ! وكيف ذلك ؟ إذا دخل النور في القلب انشرح وانفسح قالوا هل لذلك علامة يعرف بها قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ ) عن الإسلام ( يَجْعَلْ صَدْرَهُ

--> ( 1 ) للنبي ، ب س : النبي ، م . ( 2 ) قوله ، ب م : - س . ( 3 ) نقله المصنف عن السمرقندي ، 1 / 511 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 414 - 415 . ( 4 ) عن مقاتل ، انظر البغوي ، 2 / 415 . ( 5 ) « رسالته » : قرأ حفص وابن كثير بغير ألف بعد اللام ونصب التاء ، والباقون باثبات الألف وكسر التاء . البدور الزاهرة ، 110 . ( 6 ) من الناس ، ب س : - م . ( 7 ) محمدا ، ب م : محمد ، س .